ابن بسام

15

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

قلّ الناس فأمروا [ 1 ] ، وخلا لهم الجوّ فباضوا وصفروا ، وغاظوا الجماعة بقرطبة مدة أيامهم ، ودرسوا أحساب الأحرار بأقدامهم ، مستمتعين [ 2 ] بدنياهم ، غافلين عن عادة اللّه في من جرى مجراهم ، فربما سقطت الفتنة عليهم بزعماء الأنام ، وزفّت إليهم عقائل الكلام ، فيعكفون منهم على رسوم ديار ، وأصداء قفار ، سواء عندهم سجع البلبل ورغاء الإبل ، وسيمرّ في عرض القصص جملة من غرائب ضياع الأدب ، في مدة أولئك [ 3 ] المجابيب الصقلب ، مما فيه عظة لمن اعتبر ، وكان له نظر فنظر ، وبصيرة فتدبر [ 4 ] . رجع الحديث إلى سياقة نص ابن حيان : قال أبو مروان [ 5 ] : فمن غرائب هذه [ الليالي و ] الأيام ، اللاعبة بالأنام ، أن مباركا ومظفرا المذكورين كانا وليا أولا وكالة الساقية ببلد بلنسية [ 6 ] ، ثم اتفق [ 7 ] أن صرفا عنها فدخلا على الوزير عبد الرحمن بن يسار أيام خدمته بها سنة إحدى وأربعمائة ، وقد دعيا للحساب ، فكلماه [ 8 ] ومسحا أعطافه ، ولثما أطرافه ، فكتب لهما بما نفعهما ، وكان سببا لردّهما / إلى عملهما ، وعند خروجهما بالكتاب يومئذ تعلّق خادم لابن يسار بهما ، كان مدلّا عليه ، يسألهما بره وجزاءه على ما تهيأ لهما عند مولاه ، فخلع لجام مبارك عن رأس فرسه وقد كان ركبه ، فخلّاه فضيحة لا يقدر على حركة ، ثم بعد لأي ما ردّه ؛ فلم تمض إلا مديدة وضرب الدهر ضربانه ، فقضى لمبارك بالأمارة هنالك ، ونالت ابن يسار الوزير المذكور محنة قرطبة بعد ذلك [ 9 ] ، فجال النواحي ، وأمّ مباركا هذا لا يشك في معرفته بمنزلته ، وحرصه على مبرّته ، فحلّ بلنسية ، فو اللّه ما أنصفه في اللقاء فضلا عن القرى . ثم بلغ من سياسة هذين العبدين الفدمين ، مبارك ومظفر ، في مدّة إمارتهما إلى أن تقارضا من صحّة الألفة فيها طول حياتهما بما فاتا في معناهما أشقّاء الأخوة وعشّاق [ 3 أ ]

--> [ 1 ] أمروا : كثروا . [ 2 ] ط د س : مستمسكين . [ 3 ] ورد بعدها في م وحدها لفظة : « الحبل » . [ 4 ] م : فاذكر . [ 5 ] انظر البيان المغرب 3 : 158 وما بعدها ، وفيه بعض اختلاف وإيجاز ؛ والمغرب 2 : 299 ، والإحاطة : 120 ( الكتانية ) 3 : 292 ( عنان ) نقلا عن ابن حيان بإيجاز . [ 6 ] د ط س : ببلنسية . [ 7 ] د ط س : فاتق . [ 8 ] م : وكلماه . [ 9 ] م : إثر ذلك محنة قرطبة .